في يونيو 2023 أصدر مجلس معايير الاستدامة الدولية (ISSB) أول معيارين له: IFRS S1 الذي يضع القواعد العامة للإفصاح عن المعلومات المالية المرتبطة بالاستدامة، وIFRS S2 الذي يطبّق هذه القواعد على المناخ. ومنذ ذلك الحين تتخذ الجهات الرقابية حول العالم قرارها بشأن موعد التطبيق وطريقته.
وقد حسمت سلطنة عُمان قرارها؛ إذ اعتمدت هيئة الخدمات المالية بموجب القرار رقم E/7/2026 المعيارين للشركات المساهمة العامة المدرجة والمؤسسات المالية، على أن يبدأ التطبيق الكامل في 1 يناير 2029، ويصبح الإفصاح عن انبعاثات النطاق الثالث إلزاميًا في 1 يناير 2030. وأوضحت الهيئة أن المرحلة الحالية مرحلة استعداد: حوكمة، وبيانات، وضوابط داخلية.
قد يبدو العامان وقتًا كافيًا، لكنهما في حساب مجلس الإدارة نحو ثمانية اجتماعات ربع سنوية فقط. وهذا وقت قصير حين يشمل العمل أنظمة بيانات جديدة، وضوابط جديدة، ومهارات جديدة في أعلى الهرم.
ماذا يطلب المعياران من الشركات؟
يطلب IFRS S1 من الشركة أن تفصح عن مخاطر الاستدامة وفرصها التي يُتوقع بشكل معقول أن تؤثر في تدفقاتها النقدية، أو في قدرتها على الحصول على التمويل، أو في تكلفة رأس المال، على المدى القصير والمتوسط والطويل. المعيار هنا مالي: تفصح الشركة عمّا يهم المستثمر والمُقرض، لا عن كل نشاط بيئي أو اجتماعي تقوم به.
ويبني المعياران الإفصاح على أربعة محاور مألوفة لمن تابع أطر تقارير المناخ السابقة:
- الحوكمة: من يشرف على هذه المخاطر والفرص داخل الشركة، وكيف يبقى المجلس على اطلاع.
- الاستراتيجية: كيف تؤثر في نموذج العمل والاستراتيجية والمركز المالي.
- إدارة المخاطر: كيف تحددها الشركة وتقيّمها وتتابعها.
- المقاييس والمستهدفات: كيف تقيس أداءها، وما الذي التزمت بتحقيقه.
ويضيف IFRS S2 متطلبات خاصة بالمناخ: وصف المخاطر المادية مثل الحرارة وشح المياه، ومخاطر التحول مثل تغيّر التشريعات والتقنيات وتوجهات العملاء، واختبار صمود الاستراتيجية أمام سيناريوهات مناخية مختلفة، والإفصاح عن انبعاثات الغازات الدفيئة في النطاقات الثلاثة. وتُنشر هذه الإفصاحات إلى جانب القوائم المالية وعن الفترة نفسها.
لماذا يصل الملف إلى طاولة المجلس؟
محور الحوكمة يسمّي المجلس بالاسم. سيقرأ المستثمر من يشرف على مخاطر المناخ، وكم مرة يناقشها الأعضاء، وما الخبرة التي يحملونها إلى هذا النقاش. ولا تستطيع الشركة أن تحيل هذه الإجابة إلى فريق الاستدامة وحده.
كما أن ارتباط الإفصاح بالقوائم المالية يرفع مستوى الانضباط المطلوب. فالأرقام التي تجاور حسابات مدققة تحتاج إلى إجراءات موثقة، ومسؤوليات واضحة، وضوابط يستطيع المراجع الخارجي اختبارها. ورؤساء لجان التدقيق يعرفون هذا النمط جيدًا، وسيطلبون الاطمئنان إلى صلابة الأرقام.
وفي الخليج تكتسب الاستراتيجية وزنًا خاصًا؛ فكثير من المجموعات تعمل في الطاقة والخدمات اللوجستية والعقار والصناعات الثقيلة، وهي قطاعات يرسم فيها التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون ملامح القيمة على المدى البعيد. والمجلس الذي يفهم هذه الديناميكيات يحوّل الإفصاح إلى تمرين استراتيجي يكشف فرصًا قد يغفل عنها المنافسون.
سبعة أسئلة لاجتماع المجلس القادم
لا يحتاج عضو المجلس إلى أن يصبح خبير استدامة، بل إلى أن يطرح الأسئلة الصحيحة ويحكم على جودة الإجابات:
- من المسؤول؟ أي لجنة تشرف على الإفصاح، وأي تنفيذي يتحمل مسؤولية التنفيذ؟
- ما الجوهري بالنسبة لنا؟ هل حددت الإدارة المخاطر والفرص التي قد تؤثر في التدفقات النقدية وتكلفة رأس المال، وكيف وصلت إلى ذلك؟
- أين البيانات؟ هل لدينا اليوم بيانات موثوقة عن الانبعاثات والمناخ، أم سنعتمد على التقديرات والموردين؟
- ما جاهزيتنا للنطاق الثالث؟ انبعاثات سلسلة القيمة مرتبطة بالموردين والعملاء، فما المطلوب لقياسها قبل 2030؟
- ما الضوابط المطبقة؟ هل ستخضع بيانات الاستدامة للانضباط الرقابي نفسه الذي تخضع له البيانات المالية؟
- ماذا تقول السيناريوهات؟ هل اختُبرت الاستراتيجية أمام مسارات مناخية مختلفة، وما الذي يتغير إن تحقق أحدها؟
- هل يملك المجلس المهارات؟ هل يفهم الأعضاء مخاطر المناخ بما يكفي لمناقشة الإدارة، أم نحتاج إلى تدريب أو خبرات جديدة؟
المهارات التي ستحتاجها المجالس
تضم معظم مجالس الخليج أعضاء بخلفيات قوية في المالية والقانون وقطاعات أعمالهم، لكن قليلًا منها يضم من عمل عن قرب على مخاطر المناخ أو محاسبة الانبعاثات أو التمويل المستدام. والمعايير الجديدة تُظهر هذه الفجوة للعلن، لأن إفصاحات الحوكمة تشرح كيف يشرف المجلس على هذه الملفات وما الكفاءة التي يملكها فيها.
وأمام المجلس ثلاثة طرق لسد الفجوة: تدريب الأعضاء الحاليين حتى يفهم الجميع أساسيات مخاطر المناخ وبنية المعيارين، وإسناد مسؤولية أعمق إلى لجنة واحدة، غالبًا لجنة التدقيق أو المخاطر، مع إعداد أعضائها إعدادًا أوسع، ثم إدراج خبرة الاستدامة ضمن المهارات التي تبحث عنها لجنة الترشيحات حين يشغر مقعد.
والتنفيذيون تحت المجلس يحتاجون إلى الثقافة نفسها؛ فالرئيس المالي ورئيس المخاطر ورؤساء وحدات الأعمال الكبرى هم من سيُعدّون الإفصاحات ويدافعون عنها. فإن تعاملوا مع الاستدامة كتقرير جانبي يملكه فريق صغير، افتقدت الأرقام الانضباط الذي ينتظره المستثمر. وإن تعاملوا معها جزءًا من الإدارة المالية، صمدت الإفصاحات أمام التدقيق.
طريق عملي نحو 2029
نشرت هيئة الخدمات المالية سياسة التطبيق المرحلي لاستطلاع الآراء، وعلى الشركات متابعة صيغتها النهائية عن قرب. وفي إطار هذه السياسة، تجد مجالس كثيرة في الخطة السنوية البسيطة التالية دليلًا مفيدًا:
- 2026: تحديد المسؤولية على مستوى المجلس والإدارة، وتحليل الفجوة مقابل المعيارين، والاتفاق على الموضوعات الجوهرية.
- 2027: بناء أنظمة البيانات والضوابط، وبدء جمع بيانات الانبعاثات، وإجراء أول تحليل لسيناريوهات المناخ.
- 2028: إعداد تقرير تجريبي كامل، وطلب مراجعة خارجية، ومعالجة نقاط الضعف التي تكشفها.
- 2029: نشر أول إفصاح متوافق، ثم توسيع تغطية النطاق الثالث استعدادًا لعام 2030.
الشركات التي تبدأ مبكرًا ستصل إلى 2029 بعملية مجرّبة. أما التي تنتظر فقد تجد نفسها تضغط عملًا معقدًا في أشهر قليلة، ومجلسها يوقّع على إفصاحات لم يجد وقتًا لفهمها.
الإفصاح مصدر للتميّز
الإفصاح الجيد يتجاوز إرضاء الجهة الرقابية؛ فهو يطمئن المستثمرين إلى أن الإدارة تفهم القوى التي تشكّل أعمالها، ويفتح الطريق إلى التمويل الأخضر والتمويل المرتبط بالاستدامة. وفي الداخل يدفع إلى نقاش أعمق حول وجهة رأس المال، والمخاطر التي تقبل الشركة تحمّلها.
المجالس التي تتعامل مع المعيارين بوصفهما ملفًا قياديًا ستضع النبرة لكل ما تحتها. ولهذا صمّمت الأكاديمية الوطنية للقيادة والابتكار زمالة الاستدامة والتمويل المستدام للتنفيذيين وأعضاء المجالس الذين يريدون قيادة هذا الملف، من الإفصاح ومخاطر المناخ إلى التمويل الأخضر.




