تنفق المؤسسات في الخليج مبالغ كبيرة كل عام على تطوير القيادات: تبتعث التنفيذيين إلى برامج في الخارج، وتدير أكاديميات داخلية، وترعى دفعات من الكفاءات الواعدة. لكن حين تسأل الجهة الراعية عمّا حصلت عليه مقابل ذلك، يشير كثيرون إلى استبانات الرضا وسجلات الحضور، وقليلون يستطيعون إظهار تغيّر في نتائج الأعمال.
وهذه الفجوة مكلفة؛ فحين تضيق الميزانيات يكون بند التطوير أول ما يُقتطع، لأن أحدًا لا يستطيع إثبات ما يحققه. وقياس الأثر يحمي البرامج الجيدة، ويكشف الضعيفة، ويساعد الجهة الراعية على المفاضلة بينها.
من أربعة مستويات إلى خمسة
في أواخر خمسينيات القرن الماضي اقترح دونالد كيركباتريك أربعة مستويات لتقييم التدريب: رد الفعل، والتعلم، والسلوك، والنتائج. ثم أضاف جاك فيليبس مستوى خامسًا هو العائد على الاستثمار، ومعه مجموعة من الأساليب للوصول إليه. ويُستخدم نموذج فيليبس، الذي يروّج له معهد ROI، على نطاق واسع في مؤسسات القطاعين الخاص والعام.
والمستويات الخمسة يبني بعضها على بعض: فالبرنامج لا يغيّر نتائج الأعمال إذا لم يطبّق المشاركون ما تعلموه، ولا يطبّقون ما لم يتعلموه أصلًا.
المستويات الخمسة بلغة بسيطة
المستوى الأول: رد الفعل والخطة العملية
هل وجد المشاركون البرنامج مفيدًا ومرتبطًا بعملهم؟ وهل ينوون التطبيق؟ الاستبانة الجيدة هنا تسأل عن صلة المحتوى بدور المشارك وعن خطوات محددة ينوي اتخاذها، لا عن جودة القاعة والضيافة.
المستوى الثاني: التعلم
هل اكتسب المشاركون المعرفة والمهارات التي وعد بها البرنامج؟ تكشف ذلك الاختبارات وتحليل الحالات والمحاكاة والتمارين العملية. وفي برامج القيادة تكشف المحاكاة المصممة جيدًا أكثر مما يكشفه اختبار مكتوب.
المستوى الثالث: التطبيق في العمل
هل يستخدم المشاركون ما تعلموه بعد عودتهم إلى العمل؟ هنا تتعثر برامج كثيرة. والأدلة تأتي من تقييم 360 درجة بعد ثلاثة إلى ستة أشهر، ومن ملاحظات المديرين، ومن تقدّم المشاريع الحقيقية التي يقودها المشاركون.
المستوى الرابع: الأثر على الأعمال
هل حرّك التغيير في السلوك مؤشرات تهم المؤسسة؟ وقد تشمل هذه المؤشرات، بحسب البرنامج، إنتاجية الفريق، ومدة تسليم المشاريع، ورضا العملاء، والاحتفاظ بالموظفين، أو خفض التكاليف.
واختيار المؤشرات يأتي في البداية لا بعد انتهاء البرنامج. فإذا كانت الزمالة تهدف إلى تحسين إدارة كبار القادة للمشاريع الكبرى، يتفق الراعي ومقدّم البرنامج قبل الجلسة الأولى على المشاريع التي سيتابعانها والمؤشرات التي سيرصدانها، مثل الالتزام بالجدول الزمني أو الانحراف عن الميزانية. أما المؤشرات التي تُختار بعد انتهاء البرنامج فتفتح باب الشك في أن أحدًا انتقى ما تحسّن بالصدفة.
المستوى الخامس: العائد على الاستثمار
هل تتجاوز المنافع المالية التكلفة الكاملة للبرنامج؟ والحساب الأساسي يقسم صافي منافع البرنامج على تكلفته، ثم يضرب الناتج في 100 ليظهر العائد نسبة مئوية.
الجزء الأصعب: إثبات السببية
قد ترتفع نتائج فريق المبيعات بعد برنامج قيادي، وقد ترتفع أيضًا لأن السوق تحسّن أو لأن منافسًا تعثّر. لذلك يطلب نموذج فيليبس من المقيّم أن يعزل أثر البرنامج قبل أن ينسب إليه الفضل.
ولذلك طرق عدة: أقواها مجموعة ضابطة لم تحضر البرنامج تُقارَن بها النتائج. ثم تحليل الاتجاه الذي يقارن النتائج الفعلية بالمسار الذي كان قائمًا قبل البرنامج. وإن تعذّر الأمران، يُسأل المشاركون ومديروهم عن نسبة التحسن التي تعود إلى البرنامج ومدى ثقتهم في تقديرهم، ثم يُخفَّض الرقم بناءً على ذلك. فالافتراضات المتحفظة تحمي مصداقية النتيجة.
والتكاليف تحتاج إلى الأمانة نفسها؛ فالتكلفة الكاملة تشمل الرسوم والسفر والمواد، ووقت المشاركين بعيدًا عن أعمالهم، والموظفين الذين يديرون البرنامج داخليًا.
وبعض المنافع يصعب تحويله إلى مال: فريق أكثر تماسكًا، واستراتيجية أوضح، وخليفة جاهز لمنصب حساس. ويعرض نموذج فيليبس هذه المنافع غير الملموسة إلى جانب الأرقام المالية، وعلى الجهة الراعية أن تقدّرها ما دام التقرير يسمّيها بأمانة.
مثال توضيحي
لنفترض حالة افتراضية: شركة ترسل 20 مديرًا إلى برنامج قيادي بتكلفة كاملة قدرها 100,000 ريال. ويقود كل مدير خلال البرنامج مشروعًا لحل مشكلة تشغيلية حقيقية. وبعد ستة أشهر تقيس الشركة الوفورات التي حققتها هذه المشاريع، وتعزل الجزء العائد إلى البرنامج، فتصل قيمته إلى 180,000 ريال.
صافي المنفعة إذن 80,000 ريال، وبقسمته على 100,000 وضربه في 100 يكون العائد على الاستثمار 80%. وتسجل الشركة أيضًا مكاسب غير ملموسة، مثل جاهزية مديرَين اثنين للترقية، دون أن تفرض عليها قيمة مالية.
الأرقام هنا افتراضية لشرح الطريقة فقط، والتقييم الحقيقي يوثّق كل افتراض تقوم عليه.
ما الذي تسأل عنه الجهة الراعية قبل التسجيل؟
ينجح القياس حين يبدأ قبل البرنامج، من الأهداف نفسها. وتستطيع الجهة الراعية أن تطلب الأدلة في المحطات الصحيحة:
- قبل البرنامج: ما مؤشرات الأعمال التي يجب أن يحركها البرنامج لدينا، وكيف سنسجل خط الأساس؟
- أثناءه: كيف سيطبّق المشاركون ما يتعلمونه على عمل حقيقي خلال البرنامج؟
- بعد ثلاثة إلى ستة أشهر: كيف سنعرف إن تغيّر السلوك، ومن سيجمع الأدلة؟
- في النهاية: كيف سيعزل مقدّم البرنامج أثره، وما التكاليف التي سيشملها الحساب؟
ومقدّم البرنامج الذي يرحّب بهذه الأسئلة ويبني خطة الأثر مع الجهة الراعية من البداية، أثمن من آخر يكتفي باستبانة رضا في اليوم الأخير.
القياس يبدأ من التصميم
أضمن طريق لإظهار الأثر أن تُصمَّم البرامج له من الأساس. فالبرامج التي تربط كل مشارك بمشروع حقيقي، وتُشرك الراعي في تحديد الأهداف، وتتابع المشاركين لأشهر بعد انتهاء الجلسات، تنتج الأدلة جزءًا طبيعيًا من عملها.
وعلى الجهة الراعية أن تنتبه لثلاثة أخطاء شائعة: أولها التوقف عند المستوى الأول، فدرجات الرضا المرتفعة مطمئنة لكنها لا تقول شيئًا يُذكر عن تغيّر العمل. وثانيها نسبة كل تحسن إلى البرنامج، وهذا يهدم المصداقية لحظة يسأل المدير المالي عمّا حدث غير ذلك في العام نفسه. وثالثها القياس المبكر؛ فالسلوك القيادي يحتاج إلى أشهر ليتغير، والنتائج تحتاج إلى وقت أطول لتظهر، والتقييم الذي يُجرى بعد أسبوع من الجلسة الأخيرة سيفوته معظم القصة.
والتقييم الجيد يعود بالفائدة على البرنامج نفسه؛ فإذا أظهرت بيانات التطبيق أن المشاركين يتعثرون في مهارة بعينها، يستطيع المصممون تقوية تلك الوحدة للدفعة التالية. ومع تكرار الدورات يصبح القياس أداة تحسين بقدر ما هو كشف حساب.
ولهذا تبني الأكاديمية الوطنية للقيادة والابتكار خطة أثر بمستوياتها الخمسة في برامجها، ومنها الزمالة الوطنية للقيادة الاستراتيجية، لتتابع الجهة الراعية كيف يتحول التعلم إلى نتائج. وإلى أن تكمل الدفعات الأولى دورات تقييمها، تعرض الأكاديمية هذه المستويات بوصفها مستهدفات لا نتائج منشورة.




