تستخدم معظم الشركات في الخليج اليوم شكلًا من أشكال الذكاء الاصطناعي: مساعد محادثة على الموقع، ونموذج تنبؤ في الإدارة المالية، وفريق يجرّب الأدوات التوليدية في كتابة التقارير. لكن قلة منها تستطيع أن تجيب: من قرر تمويل هذه المشاريع؟ وكيف قُدّرت مخاطرها؟ وما العائد المنتظر منها؟ فكثيرًا ما يدخل الذكاء الاصطناعي إلى الشركة من أطرافها بحماس الفرق، بينما يتابع الفريق التنفيذي من بعيد.
هذا الوضع لا يدوم. فحين ينتقل الذكاء الاصطناعي من التجارب إلى صميم العمليات، تصبح قراراته من اختصاص من يديرون الأعمال، لأنها تمس المال والسمعة والعملاء والموظفين. لا يحتاج التنفيذي إلى بناء النماذج بنفسه، بل إلى قيادة أربعة حوارات: القيمة، والمخاطر، والبيانات، والناس.
القيمة: اختر أين يستحق الذكاء الاصطناعي مكانه
أول مهمة للقائد هي الاختيار. كل إدارة تستطيع أن تقدّم قائمة طويلة من الأفكار، وكثير منها سينجح في العرض التجريبي. السؤال الأصعب: أيّها سيحرّك رقمًا يهم الشركة فعلًا؟
ومن الممارسات المفيدة إدارة «محفظة» لمشاريع الذكاء الاصطناعي، كما تُدار المشاريع الرأسمالية. لكل حالة استخدام يكتب التنفيذي الراعي المشكلة، والمؤشر الذي يجب أن يتحسن، والتكلفة، والبيانات المطلوبة، والشخص المسؤول عن النتائج. ثم يموّل الفريق التنفيذي عددًا محدودًا من الحالات ذات الملاك الواضحين، ويوقف الباقي.
والحالات الواعدة تشترك عادةً في ثلاث صفات: مهمة تتكرر كثيرًا فتتراكم المكاسب الصغيرة، وبيانات تملكها الشركة بجودة كافية، ومخرجات يستطيع إنسان مراجعتها قبل أن تصل إلى العميل أو الجهة الرقابية. مراجعة العقود، والتنبؤ بالطلب، وفرز طلبات خدمة العملاء، والبحث في المعرفة الداخلية، أمثلة تجتاز هذه الاختبارات غالبًا.
وحدّد مسبقًا شكل النجاح وموعد الحكم عليه. فقد يستهدف مساعد خدمة العملاء حل نسبة محددة من الاستفسارات الروتينية دون تدخل بشري خلال ستة أشهر، وقد تستهدف أداة مراجعة العقود خفض وقت المراجعة الأولى إلى النصف. والمستهدفات الواضحة تتيح للفريق إيقاف المشروع المتعثر قبل أن يستهلك ميزانية عام آخر.
المخاطر: ما الذي قد يسوء، ومن يراقبه؟
يأتي الذكاء الاصطناعي بمخاطر نعرفها في أشكال جديدة. فقد تقدّم النماذج أخطاء بثقة تامة، وقد تظلم فئات من العملاء إذا حملت بيانات تدريبها تحيزات قديمة، وقد تتسرب معلومات سرية بسبب استخدام غير منضبط، وقد تعرّض الشركة لنزاعات تتعلق بالملكية الفكرية.
ويستطيع التنفيذيون إدارة ذلك دون إبطاء العمل، بتصنيف الاستخدامات إلى مستويات:
- مخاطر منخفضة: أدوات إنتاجية داخلية يراجع الموظف كل مخرجاتها. قواعد خفيفة وموافقة سريعة.
- مخاطر متوسطة: أدوات تدعم قرارات تخص العملاء أو الموظفين أو المال. مسؤول مسمّى، واختبار قبل الإطلاق، ومتابعة منتظمة.
- مخاطر مرتفعة: أنظمة تتخذ قرارات تمس حقوق الأفراد أو الائتمان أو التوظيف أو السلامة، أو تؤثر فيها بقوة. موافقة تنفيذية، واختبار موثق، ورقابة بشرية، ومراجعة مستقلة دورية.
وللأدوات التوليدية قواعد خاصة بها: أن يعرف الموظف الأدوات التي اعتمدتها الشركة، والمعلومات التي لا يجوز إدخالها أبدًا، ومتى يجب أن يراجع إنسان المخرجات قبل أن تصل إلى أي جهة خارجية. وسياسة من صفحة واحدة يقرؤها الناس أنفع من دليل طويل لا يفتحه أحد.
ويحسن أن يتلقى المجلس تقريرًا موجزًا عن المستوى المرتفع مرة في السنة على الأقل، كما يراجع المخاطر الجوهرية الأخرى.
البيانات: الأساس والالتزام
جودة الذكاء الاصطناعي من جودة بياناته، وكثير من هذه البيانات يتعلق بالأفراد. وفي سلطنة عُمان ينظّم ذلك قانون حماية البيانات الشخصية الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 6/2022، وقد صدرت لائحته التنفيذية بالقرار الوزاري رقم 34/2024، وانتهت الفترة الانتقالية في فبراير 2026، فأصبح القانون نافذًا بالكامل.
وأمام التنفيذي ثلاثة أسئلة أساسية: هل تعرف الشركة أي بيانات شخصية تغذي أدواتها، وعلى أي أساس قانوني تعالجها؟ وهل يعرف الموظفون ما الذي يجوز لهم إدخاله في خدمات الذكاء الاصطناعي الخارجية؟ وحين تشتري الشركة منتجًا ذكيًا، هل يحدد العقد أين تذهب البيانات ومن يحق له استخدامها؟
وجودة البيانات تستحق الاهتمام نفسه. فنموذج تنبؤ تدرّب على سجلات مبيعات ناقصة سيضلل من يثقون به. ومن يموّل مشاريع الذكاء الاصطناعي عليه أن يموّل أيضًا العمل الأقل بريقًا: تنظيف البيانات وتصنيفها وحوكمتها.
الناس: التغيير الذي يحسم النتيجة
التقنية تعمل في الغالب، والتعثر يأتي من التبنّي: موظفون يخشون على أدوارهم، ومديرون لا يغيّرون عاداتهم، وأداة واعدة تُهمَل بعد حفل الإطلاق.
ويصنع التنفيذيون التبني بما يقولونه وما يفعلونه؛ فيشرحون بوضوح المهام التي سيتولاها الذكاء الاصطناعي والمهام الجديدة التي سيتولاها الناس، ويموّلون تدريبًا يناسب كل دور، من أساسيات كتابة الأوامر للموظفين الإداريين إلى الرقابة على النماذج للمحللين، ويعيدون تصميم العمليات حتى تصبح الأداة جزءًا من يوم العمل المعتاد لا إضافة اختيارية.
والقدوة تعلّم أكثر من التعاميم؛ فالرئيس التنفيذي الذي يستعين بمساعد ذكي للتحضير لاجتماع، ويقول ذلك علنًا، يمنح الجميع الإذن بالتجربة. أما الفريق القيادي الذي لا يقترب من هذه الأدوات فيرسل الرسالة المعاكسة، مهما قالت الاستراتيجية الرسمية.
ويربط البرنامج الوطني للذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة، الذي تقوده وزارة النقل والاتصالات وتقنية المعلومات، تبني هذه التقنيات برؤية عُمان 2040 وبناء القدرات الوطنية. والشركات التي تطوّر مهارات كوادرها العُمانية في هذا المجال تسهم مباشرة في هذا التوجه، وتقلل اعتمادها على الخبرات الخارجية.
أسئلة للفريق التنفيذي
يستطيع الفريق التنفيذي أن يختبر جاهزيته بأسئلة قليلة:
- ما حالات الاستخدام الثلاث التي ستُحدث أكبر فرق قابل للقياس في نتائجنا هذا العام؟
- من المسؤول عن كل منها، وكيف سنعرف خلال ستة أشهر إن كانت تنجح؟
- أي استخداماتنا تقع في مستوى المخاطر المرتفعة، ومن يراجعها؟
- ما القواعد التي يتبعها الموظفون حين يستخدمون أدوات خارجية مع معلومات الشركة؟
- هل تغطي عقود موردي الذكاء الاصطناعي موقع البيانات واستخدامها والمسؤولية؟
- ما التدريب الذي يحتاجه كل دور، ومن يتحمل تكلفته؟
- متى ناقش المجلس الذكاء الاصطناعي آخر مرة بوصفه ملفًا استراتيجيًا؟
وإن تعثّر الفريق في الإجابة، فالفجوة في القيادة قبل أن تكون في التقنية.
قيادة الذكاء الاصطناعي من القمة
يكافئ الذكاء الاصطناعي الشركات التي يتخذ قادتها خيارات واضحة، ويضعون حدودًا معقولة، ويأخذون فرقهم معهم في الرحلة. ويعاقب من يتركه ينتشر بلا وجهة. والفارق نادرًا ما يصنعه حجم ميزانية التقنية، بل يصنعه قادة يفهمون ما يكفي لطرح الأسئلة الحادة وتحمّل مسؤولية إجاباتها.
ولهؤلاء القادة أطلقت الأكاديمية الوطنية للقيادة والابتكار زمالة قيادة الذكاء الاصطناعي المؤسسي، لتمكينهم من اختيار مواضع القيمة، وحوكمة المخاطر والبيانات، وإعداد مؤسساتهم للتغيير.




