تُرقّي معظم المؤسسات موظفيها لأنهم متميزون في أعمالهم: فيصبح أمهر المهندسين مديرًا للهندسة، ويتولى أفضل مسؤولي المبيعات قيادة فريق المبيعات، ويُطلب من أذكى المحللين إدارة القسم. ثم تتساءل المؤسسة بعد أشهر: لماذا يبدو النجم المتألق تائهًا؟
السبب في طبيعة الدور نفسه؛ فكل درجة أعلى في السلم الوظيفي تطلب من القائد أن يقدّر عملًا مختلفًا، وأن يوزع وقته بطريقة مختلفة، وأن يبني مهارات مختلفة. ويصف كتّاب تطوير القيادات، ومنهم رام تشاران وستيفن دروتر وجيمس نويل في كتابهم عن «خط القيادة»، هذه الانتقالات بأنها معابر. والمهارات التي جاءت بالترقية قد تكون هي نفسها ما يعيق القائد الجديد على الضفة الأخرى.
ما الذي يتغير حين تصعد درجة؟
المدير الذي يقود فريقًا من المختصين يقيس نجاحه بجودة ما ينتجه الفريق، أما القائد الذي يدير وظيفة كاملة فيقيسه بنتائج مديرين آخرين. التحول يبدو بسيطًا على الورق، لكنه هائل في الواقع:
- الوقت: يقضي القائد الجديد وقتًا أقل في أداء العمل، ووقتًا أكثر في التخطيط والتوجيه والتنسيق مع نظرائه والتعامل مع من هم خارج فريقه.
- المهارات: يتراجع وزن الإتقان الفني، ويتقدم وزن الحكمة والتفويض والتأثير وقراءة المواقف.
- القيم: على القائد أن يجد رضاه في نجاح الآخرين، وهذا قد يكون أصعب تغيير على من بنى مسيرته على تميّزه الشخصي.
الفخاخ الشائعة
يقع القادة الجدد عادةً في الفخاخ نفسها، ومعرفتها أول الطريق لتجنبها.
العمل بدل القيادة
تحت الضغط يعود القائد الجديد إلى منطقة الأمان: العمل الفني. فيعيد كتابة التقرير بنفسه، ويصلح الخلل بنفسه، ويتولى اجتماع العميل الصعب بنفسه. تُنجز المهمة، لكن الفريق يفهم أن قائده لا يثق به.
الإمساك بكل قرار
بعض القادة الجدد يُبقون كل قرار على مكاتبهم، فتتكدس الموافقات، وينتظر الفريق، ويتوقف أصحاب الكفاءة عن طرح أفكارهم. فيشعر القائد بالإرهاق، ويشعر الفريق بأنه معطّل.
تأجيل الحوارات الصعبة
كثير من القادة الجدد يقودون زملاء الأمس، ومصارحة صديق بملاحظات صريحة أمر محرج، فيُؤجَّل الحوار. وتكبر مشكلة الأداء، ويلاحظها بقية الفريق.
الانغلاق على الفريق
القائد الذي يركز على فريقه ويتجاهل نظراءه في الإدارات الأخرى يكتشف سريعًا أن القرارات التي تمس فريقه تُتخذ في غيابه. فالأدوار العليا تقوم على العلاقات داخل المؤسسة كلها.
لماذا يهم ذلك المؤسسة؟
الانتقال البطيء يكلّف أكثر من حرج شخص واحد؛ فالفريق يفقد زخمه، والكفاءات ترحل، وكبار التنفيذيين يُسحبون من جديد إلى مشكلات سبق أن فوّضوها. وفي كثير من مؤسسات الخليج ترتفع التكلفة أكثر، لأن استراتيجيات الكفاءات الوطنية تعتمد على إعداد المواطنين للمناصب القيادية. فإذا تعثرت الكفاءات الوطنية الواعدة عند أول خطوة قيادية، تعثرت معها خطة التعاقب، وعادت المؤسسة إلى الاستقطاب الخارجي المكلف.
وهناك تكلفة أهدأ لا تظهر في التقارير: فحين يتعثر مختص موهوب في دوره القيادي ولا يجد من يساعده، تستنتج المؤسسة غالبًا أنه «لا يصلح للقيادة»، فتعيده إلى موقعه السابق أو تخسره لصالح منافس. وفي حالات كثيرة كانت الإمكانات موجودة، والإعداد هو الغائب. والانتقال المنظّم يحمي هذه الإمكانات، ويصون ما استثمرته المؤسسة في أفضل كفاءاتها.
كيف تختصر المؤسسات هذه المرحلة؟
تستطيع المؤسسات أن تساعد مديريها على العبور أسرع وبخسائر أقل. وتشترك أنجح الطرق في فكرة واحدة: يتعلم الناس القيادة بممارستها، مع دعم يحيط بهم.
توقعات واضحة من البداية
قبل الترقية، أخبر القائد الجديد بما يتطلبه الدور وما لم يعد يتطلبه. ووصف مكتوب قصير للوظيفة في مستواها الجديد، يحدد كيف يوزع وقته، وما القرارات التي يملكها وما التي يفوّضها، يرفع عنه كثيرًا من التخمين.
التعلم بالعمل
يجمع التعلم بالعمل، وهو نهج يرتبط باسم ريج ريفانز، مجموعات صغيرة من القادة للعمل على تحديات حقيقية. يتولى كل مشارك تحديًا قائمًا من مؤسسته، فيختبر أفكاره مع زملائه، ثم ينفذ، ثم يعود ليعرض ما حدث. ويرسخ التعلم لأن الرهان حقيقي، وتكسب المؤسسة حلولًا إلى جانب قادة أفضل.
الكوتشينج والتغذية الراجعة
الكوتش، أو تقييم 360 درجة الذي يجمع آراء المدير والنظراء والفريق، يُري القائد الجديد كيف يراه الآخرون. فأغلب الناس يبالغون في تقدير بعض نقاط قوتهم ويستهينون بأخرى، والتغذية الراجعة المنظمة تساعدهم على التعديل مبكرًا قبل أن تترسخ العادات.
دفعة من الأقران
يشعر القادة الجدد غالبًا بالعزلة، ودفعة من نظراء في إدارات أو مؤسسات أخرى تمنحهم مساحة آمنة للاعتراف بما يصعب عليهم، والتعلم من تجارب غيرهم.
إشراك الراعي
المدير المباشر للقائد الجديد يصنع الفارق أكثر من أي برنامج. والرعاة الذين يلتقون القائد بانتظام، ويحمون وقت تطويره، ويراجعون تقدمه مقابل أهداف متفق عليها، يحوّلون التدريب إلى تغيير دائم.
الأيام التسعون الأولى
ترسم الأشهر الأولى نمط كل ما يليها، والقادة الجدد الذين يحسنون استثمارها يفعلون أشياء قليلة عن قصد:
- استمع قبل أن تغيّر. التقِ كل فرد في الفريق، واسأله عمّا ينجح وما يعطّل العمل، ودوّن ما تسمعه. فالناس يدعمون التغيير الذي شاركوا في صياغته.
- اتفق على الأولويات مع مديرك. حدّدا معًا نتيجتين أو ثلاثًا تحسم نجاحك في العام الأول، ووثّقاها كتابة.
- فوّض مسؤولية حقيقية مبكرًا. سلّم مهمة ذات قيمة لعضو كفء في الفريق، وقاوم رغبة استعادتها. فهذا يبعث رسالة ثقة ويحرر وقتك.
- أجرِ الحوار الصعب الأول. إن وُجدت مشكلة أداء فعالجها في الأشهر الأولى؛ فالانتظار يزيدها صعوبة ويوحي للفريق بأن المعايير اختيارية.
- ابنِ علاقاتك مع النظراء. خصص وقتًا لزملائك في الإدارات الأخرى قبل أن تحتاج إلى دعمهم.
وتستطيع المؤسسة أن تدعم هذه العادات بخطة بسيطة للأيام التسعين يكتبها القائد الجديد ويراجعها راعيه.
قياس التقدم
تستطيع المؤسسة متابعة الانتقال بإشارات بسيطة: سرعة تحقيق فريق القائد الجديد لمستهدفاته، واستقرار الرضا والاحتفاظ بالكفاءات في فريقه، وتطور نتائج تقييم 360 بمرور الوقت، وهل أصبح مديره يقضي وقتًا أقل في مشكلات الفريق. هذه المؤشرات تكشف إن كان التطوير يؤتي ثماره، وأين يلزم التعديل.
وعلى هذه المبادئ بنت الأكاديمية الوطنية للقيادة والابتكار برنامج تسريع الجاهزية القيادية الممتد 12 أسبوعًا، ويتعلم فيه المديرون الانتقال من الإشراف على المهام إلى قيادة الناس عبر جلسات أسبوعية وكوتشينج وتحدٍّ واقعي يقودونه من بدايته إلى نهايته.




